الغزالي

180

إحياء علوم الدين

إليه وإلى التمرة ، ومعلوم أن التمرة لا تأتي على الوجه الذي يأتي الإنسان إليها وكذلك لما قال التائب [ 1 ] أتوب إلى الله تعالى ولا أتوب إلى محمد . فقال صلى الله عليه وسلم « عرف الحق لأهله » فكل من أضاف الكل إلى الله تعالى فهو المحقق الذي عرف الحق والحقيقة . ومن أضافه إلى غيره فهو المتجوّز والمستعير في كلامه . وللتجوّز وجه ، كما أن للحقيقة وجها . واسم الفاعل وضعه واضع اللغة للمخترع ، ولكن ظن أن الإنسان مخترع بقدرته فسماه فاعلا بحركته وظن أنه تحقيق ، وتوهم أن نسبته إلى الله تعالى على سبيل المجاز ، مثل نسبة القتل إلى الأمير ، فإنه مجاز بالإضافة إلى نسبته إلى الجلاد . فلما انكشف الحق لأهله ، عرفوا أن الأمر بالعكس ، وقالوا إن الفاعل قد وضعته أيها اللغوي للمخترع ، فلا فاعل إلا الله ، فالاسم له بالحقيقة ، ولغيره بالمجاز ، أي تتجوّز به عما وضعه اللغوي له . ولما جرى حقيقة المعنى على لسان بعض الأعراب قصدا أو اتفاقا ، صدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال [ 2 ] « أصدق بيت قاله الشّاعر قول لبيد » : ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل أي كل ما لا قوام له بنفسه ، وإنما قوامه بغيره ، فهو باعتبار نفسه باطل ، وإنما حقيّنه وحقيقته بغيره لا بنفسه فإذا لا حق بالحقيقة إلا الحي القيوم ، الذي ليس كمثله شيء فإنه قائم بذاته ، وكل ما سواه قائم بقدرته فهو الحق ، وما سواه باطل . ولذلك قال سهل : يا مسكين ، كان ولم تكن ، ويكون ولا تكون ، فلما كنت اليوم صرت تقول أنا وأنا ، كن الآن كما لم تكن ، فإنه اليوم كما كان فإن قلت : فقد ظهر الآن أن الكل جبر ، فما معنى الثواب ، والعقاب ، والغضب ، والرضا ، وكيف غضبه على فعل نفسه ؟ فاعلم أن معنى ذلك قد أشرنا إليه في كتاب الشكر فلا نطول بإعادته . فهذا هو القدر الذي رأيتما الرمز إليه من التوحيد الذي يورث حال التوكيل . ولا يتم هذا إلا بالإيمان بالرحمة . والحكمة ، فإن التوحيد يورث النظر إلى مسبب الأسباب ، والإيمان بالرحمة وسعتها هو الذي يورث الثقة بمسبب الأسباب ، ولا يتم حال التوكل كما سيأتي إلا بالثقة بالوكيل ، وطمأنينة القلب إلى حسن نظر الكفيل